أما الثاني وهو إثباته إلهية نفسه، فاعلم أنه ليس المراد منه أنه كان يدعي كونه خالقاً للسموات والأرض والبحار والجبال وخالقاً لذوات الناس وصفاتهم، فإن العلم بامتناع ذلك من أوائل العقول فالشك فيه يقتضي زوال العقل، بل الإله هو المعبود فالرجل كان ينفي الصانع ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره، فهذا هو المراد من ادعائه الإلهية لا ما ظنه الجمهور من ادعائه كونه خالقاً للسماء والأرض، لا سيما وقد دللنا في سورة طه ( ٤٩ ) في تفسير قوله :﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ على أنه كان عارفاً بالله تعالى وأنه كان يقول ذلك ترويجاً على الأغمار من الناس الشبهة الثانية : قوله :﴿فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين فاجعل لّى صَرْحاً لَّعَلّى أَطَّلِعُ إلى إله موسى وَإِنّى لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين﴾ وههنا أبحاث :
الأول : تعلقت المشبهة بهذه الآية في أن الله تعالى في السماء قالوا لولا أن موسى عليه السلام دعاه إلى ذلك لما قال فرعون هذا القول والجواب : أن موسى عليه السلام دل فرعون بقوله :﴿رَبّ السموات والأرض﴾ [ الشعراء : ٢٤ ] ولم يقل هو الذي في السماء دون الأرض، فأوهم فرعون أنه يقول إن إلهه في السماء، وذلك أيضاً من خبث فرعون ومكره ودهائه.


الصفحة التالية
Icon