ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال :﴿من دون الله﴾ أي الحائز لصفات الكمال، المتردي بالعظمة والجلال، لأن من كان على مثل رأيه هلك، ومن كان من أولياء الله راقب الله في أمره، فلم يسألوا الله فيه، وعلم هو أن الحق لله، وضل عنه - كما في الآية التي قبلها - ما كان يفتري ﴿وما كان﴾ أي هو ﴿من المنتصرين﴾ لأنفسهم بقوتهم.
ولما خسف به فاستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات، عبر عن حالهم بقوله :﴿وأصبح﴾ أي وصار، ولكنه عبر به لمقابلة الأمس، وإعلاماً بأن ما رأوا من حاله ملأ صدورهم فلم يكن لهم هم سواه ﴿الذين تمنوا﴾ أي أرادوا إرادة عظيمة بغاية الشغف أن يكونوا ﴿مكانه﴾ أي يكون حاله ومنزلته في الدنيا لهم ﴿بالأمس﴾ أي الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم فيه من قبله ﴿يقولون ويكأن﴾ هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف، وعن الكسائي أنه يوقف على الياء من وى، وعن أبي عمرو أنه يوقف على الكاف : ويك، قال الرضي في شرح الحاجبية : وي للتندم أو للتعجب، ثم قال : وهو عند الخليل وسيبويه " وي " للتعجب، ركبت مع " كأن " التي للتشبيه، وقال الفراء : كلمة تعجب ألحق بها كاف الخطاب نحو ويك عنتر أقدم، أي من قوله في قصيدته الميمية المشهورة إحدى المعلقات السبع :
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها...
قيل الفوارس ويك عنتر أقدم