ولما كانت القصة لقارون، وكان له من المكنة في الدنيا ما مضى ذكره، وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه، قال منبهاً بالإيقاع به على الوجه الماضي أنه من جملة عبيده، لا فرق بينه وبين أضعفهم بالنسبة إلى قدرته :﴿من عباده ﴾.
ولما دل على أن البسط إنما هو منه، أتبعه قوله دليلاً آخر على ربوبيته :﴿ويقدر﴾ أي يضيق على من يشاء سواء كان فطناً أم لا، لا يبسطه لأحد لكرامته عليه، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده، ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا كرامة، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على علم عنده، وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال على كل حال.
ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله، أتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضاً أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم :﴿لولا أن منَّ الله﴾ أي تفضل الملك الأعظم الذي استأثر بصفات الكمال ﴿علينا﴾ بجوده، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون على مثل حاله ﴿لخسف بنا﴾ مثل ما خسف به ﴿ويكأنه﴾ أي عجباً أو ندماً لأنه، أو يشبه أنه، أو ألم تر أنه، قال الرضي في شرح الحاجبية : كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون فقال لهم : عجباً منك، فسئل : لم تتعجب منه؟ فقال : لأنه - إلى آخره، فحذف حرف الجر مع " أن " كما هو القياس.
﴿لا يفلح﴾ أي يظفر بمراد ﴿الكافرون﴾ أي العريقون في الكفر لنعمة الله، وقد عرف بهذا تنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه، سواء وقف على وي أو يك أو لا.


الصفحة التالية
Icon