ولما كان الجواب لكل من أنصف : هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند أنفسهم ما لا دليل عليه، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله، بني عليه قوله :﴿وما﴾ ويجوز أن تكون الجملة حالاً من الضمير في ﴿عليك﴾ وما بينهما اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد، أي فرضه عليك والحال أنك ما، ويجوز أن يقال : لما كان رجوعه إلى مكة غاية البعد لكثرة الكفار وقلة الأنصار، قربه بقوله معلماً أن كثيراً من الأمور تكون على غير رجاء، بل وعلى خلاف القياس : وما ﴿كنت ترجوا﴾ أي في سالف الدهر بحال من الأحوال ﴿أن يلقى﴾ أي ينزل على وجه لم يقدر على رده ﴿إليك الكتاب﴾ أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه ؛ ولا كان هذا من شأنك، ولا سمعه أحد منك يوماً من الأيام، ولا تأهبت لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب﴾ [ العنكبوت : ٤٨ ] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع المحكم، وذلك مدلول الكتاب ؛ ثم قال :﴿إلا﴾ أي لكن ألقي إليك الكتاب ﴿رحمة﴾ أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك، لم تكن ترجوها ﴿من ربك﴾ أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن والفواحش جميعاً، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة معه والتعبد له توفيقاً من الله كان حال من يرجو ذلك.


الصفحة التالية
Icon