ولما كان هذا كله في الذين فتنوا فلم يجاهدوا أنفسهم، كان المعنى : فالذين فتناهم فوجدوا كاذبين ضلوا فصاروا لا يعقلون ولا يعلمون، لكونهم لم يكونوا من المجاهدين، فعطف عليه قوله :﴿والذين جاهدوا﴾ أي أوقعوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة ﴿فينا﴾ أي بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء، ومخالفة الهوى عند هجوم الفتن، وشدائد المحن، مستحضرين لعظمتنا.
ولما كان الكفار ينكرون فلاحهم وكان المفلح والظافر في كل شيء هو المهتدي، قال معبراً بالسبب عن المسبب :﴿لنهدينهم﴾ بما نجعل لهم من النور الذي لا يضل من صحبه، هداية يليق بعظمتنا ﴿سبلنا﴾ أي لا سبل غيرها، علماً وعملاً، ونكون معهم بلطفنا ومعونتنا، لأنهم أحسنوا المجاهدة فهنيئاً لمن قاتل في سبيل الله ولو فواق ناقة لهذه الآية وقوله تعالى
﴿والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم﴾ [ محمد : ٤ ]، ولهذا كان سفيان بن عيينة يقول : إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الغزو.


الصفحة التالية
Icon