ولما كان موضع أن يقال : فمن يرزقها؟ قال جواباً له :﴿الله﴾ أي المحيط علماً وقدرة، المتصف بكل كمال ﴿يرزقها﴾ وهي لا تدخر ﴿وإياكم﴾ وأنتم تدخرون، لا فرق بين ترزيقه لها على ضعفها وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم، فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون، فصار الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظور إليه.
ولما كان أهم ما للحيوان الرزق، فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ضميره وينطق به إن كان ناطقاً ويهمهم به إن كان صامتاً، أما العاقل فبأمور كلية، وأما غيره فبأشياء جزئية وحدانية، وكان العاقل ربما قال : إني لا أقدر على قطع العلائق من ذلك، قال تعالى :﴿وهو السميع﴾ أي لما يمكن أن يسمع في أمره وغير أمره ﴿العليم﴾ أي بما يعلم من ذلك، وبما يصير إليه أمركم وأمر عدوكم، فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له أسبابه، وهو قادر على أن يسبب لما اعتمد عليه الإنسان من الأسباب المنتجة عنده ولا بد ما يعطله، وعلى أن يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيه، ومن طالع كتب التصوف وتراجم القوم وسير السلف - نفعنا الله بهم - وجد كثيراً من ذلك بما يبصره ويسليه سبحانه ويصبره. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٥ صـ ٥٧١ ـ ٥٧٤﴾