وفيه لطيفة وهي أن الله عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبد قدم الكافر فقال :﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [ الروم : ٤٤ ] وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن فقال :﴿ليجزي الذين آمنوا﴾ ثم قال تعالى :﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين﴾ لأن قوله ﴿مَن كَفَرَ﴾ في الحقيقة لمنع الكافر عن الكفر بالوعيد ونهيه عن فعله بالتهديد وقوله :﴿مَّنْ عَمِلَ صالحا﴾ لتحريض المؤمن فالنهي كالإيعاد والتحريض للتقرير والإيعاد مقدم عند الحكيم الرحيم، وأما عندما ذكر الجزاء بدأ بالإحسان إظهاراً للكرم والرحمة، فإن قال قائل هذا إنما يصح أن لو كان الذكر في كل موضع كذلك وليس كذلك فإن الله كثير من المواضع قدم إيمان المؤمن على كفر الكافر وقدم التعذيب على الإثابة، فنقول إن كان الله يوفقنا لبيان ذلك نبين ما اقتضى تقديمه، ونحن نقول بأن كل كلمة وردت في القرآن فهي لمعنى وكل ترتيب وجد فهو لحكمة، وما ذكر على خلافه لا يكون في درجة ما ورد به القرآن فلنبين من جملته مثالاً وهو قوله تعالى :﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ﴾ [ الروم : ١٤، ١٥ ] قدم المؤمن على الكافر، وههنا ذكر مثل ذلك المعنى في قوله :﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [ الروم : ٤٣ ] أي يتفرقون فقدم الكافر على المؤمن فنقول هناك أيضاً قدم الكافر في الذكر لأنه قال من قبل :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون﴾ [ الروم : ١٢ ] فذكر الكافر وإبلاسه، ثم قال تعالى :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [ الروم : ١٤ ] فكان ذكر المؤمن وحده لا بد منه ليبين كيفية التفرق بمجموع قوله :﴿يُبْلِسُ المجرمون﴾ وقوله في حق المؤمن :﴿فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ لكن الله تعالى أعاد ذكر المجرمين مرة أخرى للتفصيل فقال :﴿وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٢٥ صـ ١١١ ـ ١١٤﴾