وسبق أنْ بيَّنا أن القرآن مبني كله على الوصل في آياته وسوره، بل في آخره وأوله نقول :( من الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ) وكذلك في الآيات والسور. وكأن الله تعالى يريد منك ألاَّ تفصل آية من القرآن عن التي بعدها ؛ لذلك يقولون عن قارئ القرآن : هو الحالّ المرتحل، فهو حالٌّ في آية أو سورة، مرتحل إلى التي تليها.
إذن : الوصْل سِمَة عامة في القرآن كله لا يستثنى من ذلك إلا الحروف المقطعة في بدايات السور، فهي قائمة على القطع، فلا نقول هنا ألفٌ لامٌ ميمٌ، لكن نقول ألفْ لامْ ميمْ، فلماذا اختلفت هذه الحروف عن السمة العامة للقرآن كله؟
قالوا : ليدلَّك على أن الألف أو اللام أو الميم، لكل منها معناه المستقل، وليست مجرد حروف كغيرها من حروف القرآن ؛ لذلك خالفتْ نسق القرآن في الوصل ؛ لأن لها معنىً مستقلاً تؤديه.
ويفسر هذا قول النبي ﷺ :" مَنْ قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ".
ثم يقول الحق سبحانه :﴿ تِلْكَ آيَاتُ الكتاب... ﴾.
تلك : اسم إشارة للمؤنت مثل ذلك المذكر، وهي عبارة عن التاء للإشارة، واللام للبُعْد، سواء أكان في المكان أو في المكانة والمنزلة، ثم الكاف للخطاب، وتأتي بحسب المخاطب مذكراً أو مؤنثاً، مفرداً أو مثنىً أو جمعاً.
فتقول في خطاب المفرد المذكر : تلك. وللمفردة المؤنثة : تلك. وللمثنى تلكما.. إلخ، ومن ذلك قول امرأة العزيز في شأن يوسف عليه السلام :﴿ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ.... ﴾ [ يوسف : ٣٢ ].
فذا اسم اشارة ليوسف، واللام للبعد وكُنَّ ضمير لمخاطبة جمع المؤنث ويقول تعالى في خطاب موسى :﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ... ﴾ [ القصص : ٣٢ ] أي اليد والعصا، فذانِ اسم إشارة للمثنى، والكاف للخطاب.