ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكراً كما كان خفضه دونها تماوتاً أو دلالاً وتكبراً، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا ب " من " فأفهم أن الطرفين مذمومان، علل النهي عن الأول دالاً بصيغة " أفعل " على اشتراك الرفع كله في النكارة ذاكراً أعلاها تصويراً له بأقبح صورة تنفيراً عنه فقال :﴿إن أنكر﴾ أي أفظع وأبشع وأوحش ﴿الأصوات﴾ أي كلها المشتركة في النكارة برفعها فوق الحاجة، وأخلى الكلام عن لفظ التشبيه فأخرجه مخرج الاستعارة تصويراً لصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حماراً، مبالغة في التهجين، وتنبيهاً على أنه من كراهة الله له بمكان فقال :﴿لصوت الحمير﴾ أي هذا الجنس، لما له من الغلو المفرط من غير حاجة، وأوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار، وأفرده ليكون نصاً على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك ولذكر الحمار مع ذلك من بلاغة الذم والشتم ما ليس لغيره ولذلك يستهجن التصريح باسمه، وهذا يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع، ولقد دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق، وهي أمهات الفضائل الثلاث : الحكمة والعفة والشجاعة، وأمرت بالعدل فيها، وهي وظيفة التقسيط الذي هو الوسط الذي هو مجمع الفضائل، ونهت عن مساؤى الأخلاق، وهي الأطراف التي هي مبدأ الرذائل الحاصل بالإفراط والتفريط، فإقامة الصلاة التي هي روح العبادة المبنية على العلم هي سر الحكمة والنهي، أمر بالشجاعة ونهى عن الجبن، وفي النهي عن التصعير وما معه نهي عن التهور، والقصد في المشي والغض في الصوت أمر بالعفة ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور، وفي النهي عن الاستماتة نهي عما قد يلزمها من الجربزة، وهي الفكر بالمكر المؤدي إلى اللعنة، وعن الانحطاط إلى البله والغفلة، والكافل بشرح هذا ما قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني في الكلام على الإجماع من تلويحه، قال : إن الخالق


الصفحة التالية
Icon