ولما كان السياق للإعراض عن الدنيا، وكانت الحكمة منفرة عنها، أشار بختام الآية إلى أنها مع كونها محصلة لفوز الأخرى جالبة لخير الدنيا، فقال مؤكداً ردعاً لمن يشك في أن الرفعة يوصل إليها بضدها ونحو ذلك مما تضمنه الخبر من جليل العبر :﴿إن الله﴾ أي والذي له جميع العظمة ﴿كان﴾ أي لم يزل ﴿لطيفاً﴾ أي يوصل إلى المقاصد بوسائل الأضداد ﴿خبيراً﴾ أي يدق علمه عن إدراك الأفكار، فهو يجعل الإعراض عن الدنيا جالباً لها على أجمل الطرائق وأكمل الخلائق وإن رغمت أنوف جميع الخلائق، ويعلم من يصلح لبيت النبي ـ ﷺ ـ ومن لا يصلح، وما يصلح الناس دنيا وديناً وما لا يصلحهم، والطرق الموصلة إلى كل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس " من انقطع إلى الله كفاه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب " رواه الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين ـ رضى الله عنه ـ " من توكل على الله كفاه، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها " - رواه صاحب الفردوس وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب عن عمران ـ رضى الله عنه ـ أيضاً، ولقد صدق الله سبحانه وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه ـ ﷺ ـ بعد ذلك خيبر، فأفاض بها ما شاء من رزقه الواسع، ثم لما توفي نبيه ـ ﷺ ـ ليحيمه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن، فعم الفتح جميع الأقطار : الشرق والغرب والجنوب والشمال، ومكن أصحاب نبيه ـ ﷺ ـ من كنوز جميع تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله عليهم يكيلون المال كيلاً، وزاد الأمر حتى دون عمر الدواوين وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء، وكان أولاً لا يفرض للمولود حتى يفطم، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه : لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود