ولما بين ما هو الأشرف من النكاح لكونه الأصل، وأتبعه سبحانه ما خص به شرعه ـ ﷺ ـ من المغنم الذي تولى سبحانه إباحته، أتبعه ما جاءت إباحته من جهة المبيح إعلاماً بأنه ليس من نوع الصدقة التي نزه عنها قدره فقال :﴿وامرأة﴾ أي وأحللنا لك امرأة ﴿مؤمنة﴾ أي هذا الصنف حرة كانت أو رقيقة ﴿إن وهبت نفسها للنبي ﴾.
ولما ذكر وصف النبوة لأنه مدار الإكرام من الخالق والمحبة من الخلائق تشريفاً له به وتعليقاً للحكم بالوصف، لأنه لو قال " لك " كان ربما وقع في بعض الأوهام - كما قال الزجاج - أنه غير خاص به ـ ﷺ ـ، كرره بياناً لمزيد شرفه في سياق رافع لما ربما يتوهم من أنه يجب عليه القبول فقال :﴿إن أراد النبي﴾ أي الذي أعلينا قدره بما اختصصناه به من الإنباء بالأمور العظمية من عالم الغيب والشهادة ﴿أن يستنكحها﴾ أي يوجد نكاحه لها يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين، فتصير له مجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود.
ولما كان ربما فهم أن غيره يشاركه في هذا المعنى، قال مبيناً لخصوصيته واصفاً لمصدر ﴿أحللنا﴾ مفخماً للأمر بهاء المبالغة ملتفتاً إلى الخطاب لأنه معين للمراد رافع للارتياب :﴿خالصة لك﴾ وزاد المعنى بياناً بقوله :﴿من دون المؤمنين﴾ أي من الأنبياء وغيرهم، وأطلق الوصف المفهم للرسوخ فشمل من قيد بالإحسان والإيقان، وغير ذلك من الألوان، دخل من نزل عن رتبتهم من الذين يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس من باب الأولى مفهوم موافقة، وقد كان الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء.
روى البخاري عن عائشة ـ رضى الله عنه ـ ا أنها قالت : كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ـ ﷺ ـ وأقول : أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها، فلما نزلت ﴿ترجى من تشاء منهن﴾ قلت : يا رسول الله، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.


الصفحة التالية
Icon