ولما كان ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ الأمر وسعة الحال وكثرة الجنود، أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه على وجه دال على بطلان تعظيمهم للجن بالإخبار بالمغيبات بعد تنبيههم على مثل ذلك باستخدامه لهم بقوله :﴿فلما﴾ بالفاء، ولذلك عاد إلى مظهر الجلال فقال :﴿قضينا﴾ وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال :﴿عليه﴾ أي سليمان عيله السلام ﴿الموت ما دلهم﴾ أي جنوده وكل من في ملكه من الجن والإنس وغيرهم من كل قريب وبعيد ﴿على موته﴾ لأنا جعلنا له من سعة العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم ﴿إلا دآبة الأرض﴾ فخمها بهذه الإضافة التي من معناها أنه لا دابة للأرض غيرها لما أفادته من العلم ولأنها لكونها تأكل من كل شيء من أجزاء الأرض من الخشب والحجر والتراب والثياب وغير ذلك أحق الدواب بهذا الاسم، ويزيد ذلك حسناً ان مصدر فعلها أرض بالفتح والإسكان فيصير من قبيل التورية ليشتد التشوف إلى تفسيرها ثم بين أنها الأرضة بقوله مستأنفاً في جواب من كأنه قال : أي دابة هي وبما دلت :﴿تأكل منسأته﴾ أي عصاه التي مات وهو متكىء عليها قائماً في بيت من زجاج، وليس له باب، صنعته له الجن لما أعلمه الله بأن أجله قد حضر، وكان قد بقي في المسجد بقية ليخفي موته على الجن الذين كانوا يعملون في البيت المقدس حتى يتم ؛ قال في القاموس في باب الهمز : نسأه : زجره وساقه وأخره ودفعه عن الحوض، والمنسأة كمكنسة مرتبة، ويترك الهمز فيهما : العصا - لأن الدابة تنسأ بها أي تساق، والبدل فيها لازم، حكاه سيبويه - انتهى.


الصفحة التالية
Icon