ولما كان ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولاً ثم بدا له فرجع عنه، أو عارضه فيه شخص من أعيان جنده فينتقض، أخبر أن الملك الديان ليس كذلك فقال :﴿قالوا الحق﴾ أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابقه الواقع فلا يكون شيء يخالفه ﴿وهو العلي﴾ أي فلا رتبة إلا دون رتبته سبحانه وتعالى، فلا يقول غير الحق من نقص علم ﴿الكبير﴾ أي الذي لا كبير غيره فيعارضه في شيء من حكم ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ قال : إن النبي ـ ﷺ ـ قال :" إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ﴿فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا﴾ - للذي قال - ﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " وقال في التوحيد : وقال مسروق عن ابن مسعود ـ رضى الله عنهما ـ :" وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق " وروى هذا الحديث العيني في جزئه عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ موقوفاً عليه قال : كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون فيه الوحي، وفيه : فلا ينزل على سماء إلا صفقوا، وفي آخره : ثم يقال : يكون العام كذا ويكون العام كذا، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما بعث الله رسوله ـ ﷺ ـ دحروا، فقالت العرب : هلك من في السماء، فذكر ذبح العرب لأموالهم من الإبل وغيرها، حتى
نهتهم ثقيف، واستدلوا بثبات معلم النجوم، ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى عرف أن الحدث من مكة. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٦ صـ ١٧٥ ـ ١٧٧﴾


الصفحة التالية
Icon