ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه، وإنما المعنى : من نذير يختص بهؤلاء الذين بقيت إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل، والله تعالى يقول :﴿ إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً ﴾ ولكن لم يتجرد للنذارة، وقاتل عليها، إلا محمد ( ﷺ ). انتهى.
﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ : توعد لهم ممن تقدمهم من الأمم، وما آل إليه أمرهم، وتسلية لرسوله بأن عادتهم في التكذيب عادة الأمم السابقة، وسيحل بهم ما حل بأولئك.
وأن الضميرين في :﴿ بلغوا ﴾ وفي :﴿ ما آتيناهم ﴾ عائدان على ﴿ الذين من قبلهم ﴾، ليتناسقا مع قوله تعالى :﴿ فكذبوا ﴾، أي ما بلغوا في شكر النعمة وجزاء المنة معشار ما آتيناهم من النعم والإحسان إليهم.
وقال ابن عباس، وقتادة، وابن زيد : الضمير في ﴿ بلغوا ﴾ لقريش، وفي ﴿ ما آتيناهم ﴾ للأمم ﴿ الذين من قبلهم ﴾.
والمعنى : وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار وقوة الأجسام وكثرة الأموال، وحيث كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من القوة، فكيف حال هؤلاء إذا جاءهم العذاب والهلاك؟ وقيل : الضمير في ﴿ بلغوا ﴾ عائد على ﴿ الذين من قبلهم ﴾، وفي ﴿ آتيناهم ﴾ على قريش، وما بلغ الأمم المتقدمة معشار ما آتينا قريشاً من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به.
وأورد ابن عطية هذه الأقوال احتمالات، والزمخشري ذكر الثاني، وأبو عبد الله الرازي اختار الثالث، قال : أي ﴿ الذين من قبلهم ﴾ ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البرهان، وذلك لأن كتاب محمد، عليه السلام، أكمل من سائر الكتب وأوضح، ومحمد، عليه السلام، أفضل من جميع الرسل وأفصح، وبرهانه أوفي، وبيانه أشفى، ويؤيد ما ذكرنا، ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ تغني عن القرآن.