وفي هذه الآية تسلية لحضرة الرسول مما يلاقي من نكد قومه ليخفف عنه بعض همه عليهم واهتمامه بهم، لاستعجال إيمانهم، وإن شأنه شأن من قبله من الأنبياء مع أقوامهم، وان له أسوة بهم في عدم قبول الدعوة وتحمل الأذى "ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا" بهم وبكتبهم بعقوبات متنوعة بعد إمهالهم مددا يتذكر فيها من يتذكر "فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ" ٢٦ عليهم وتعذيبي لهم إنه كان شيئا عظيما لم يتصوروه، ولم يقدر على إنزال مثله غيري أنا الإله المنتقم ممن كفر بي، وفي هذه الآية تهديد لقريش قوم محمد صلى اللّه عليه وسلم بأنهم إذا لم يؤمنوا يحل بهم ما حلّ بغيرهم من النكال "أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها" في الخضرة والحمرة والصفرة
وغيرها مما لا يحصر لونا وجنسا وشكلا ونوعا، مع أنها تخرج من أرض واحدة وتسقى بماء واحد، وتتفاوت بالنمو وتختلف بالحجم والطعم، وتنضج بسبب واحد، وتختلف بذلك كله، فسبحان البالغ بالقدرة والصنع "وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ" طرق جمع جادة، ويأتي بمعنى النهر وطريقه، وخطط مختلفة اللون أيضا منها "بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها" لأن كل طريق على لون أرضه، وكل لون يتشعب منه ألوان كثيرة من الزرقة والصّفرة "وَغَرابِيبُ سُودٌ" ٢٧ يقال أسود حالك لشديد السواد تشبيها بالغراب، كما يقال أبيض ناصع وأحمر قاني، وما أشبه ذلك، والغربيب أبعد لون في السواد، وجاء في الحديث : إن اللّه يبغض الشيخ الغريب الذي يخضب شعره بالسواد ويتمادى في السّفه أو الذي لا يشيب لسفاهته وعدم اهتمامه بآخرته، وفي مثله يقول الشاعر :
العين طامحة واليد شامخة والرجل لائحة والوجه غربيب


الصفحة التالية
Icon