ولما ذكرهم نعمه، وحذرهم نقمه، عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم، فقال موبخاً ومقرعاً ومبكتاً ومعجباً من زيادة ضلالهم عادلاً عن مظهر العظمة إلى أعظم منه :﴿واتخذوا﴾ أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا، أو يكون معطوفاً على " كانوا " من قوله :﴿إلا كانوا به يستهزءون﴾ فيكون التقدير : إلا كانوا يجددون الاستهزاء، واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقبلوا فيه من نعمتنا :﴿من دون الله﴾ أي الذي له جميع العظمة، فكل شيء دونه، وما كان دونه كان مقهوراً مربوباً ﴿آلهة﴾ أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية.
ولما تقرر أنها غير صالحة لها أهلوها له، تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ذلك، فقال جواباً له تعجيباً من حالهم :﴿لعلهم﴾ أي العابدين.
ولما كان مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان، بني للمفعول قوله :﴿ينصرون﴾ أي ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر على من يعاديه ويعانده ويناويه.
ولما كان للنصر سببان : ظاهري وهو الاجتماع، وأصلي باطني وهو الإله المجتمع عليه، بين غلطهم بتضييع الأمل، فقال مستأنفاً في جواب من كأنه قال : فهل بلغوا ما أرادوا؟ :﴿لا يستطيعون﴾ أي الألهة المتخذة ﴿نصرهم﴾ أي العابدين ﴿وهم﴾ أي العابدون ﴿لهم﴾ أي الآلهة ﴿جند﴾ ولما كان الجند مشتركاً بين العسكر والأعوان والمدينة، عين المراد بضمير الجمع ولأنه أدل على عجزهم وحقارتهم فقال :﴿محضرون﴾ أي يفعلون في الاجتماع إليها والمحاماة عنها فعل من يجمعه كرهاً إيالة الملك وسياسة العظمة، فصارت العبرة بهم خاصة في حيازة السبب الظاهري مع تعبدهم للعاجز وذلهم للضعيف الدون مع ما يدعون من الشهامة والأنفة والضخامة، فلو جمعوا أنفسهم على الله لكان لهم ذلك، وحازوا معه السبب الأعظم.