قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والأول قاله النبي ـ ﷺ ـ في خطبته ثاني يوم الفتح، والثاني قاله أيضاً النبي ـ ﷺ ـ، ففي الصحيح عنه :" اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة، ما بين لابتيها حرام "
ولا تعارض بين الحديثين، لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان، والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكل مقال من هذين الإخبارين حسن في مقامه، عظم الحرمة ثاني يوم الفتح على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريمه المدينة مثالاً لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضاً من قبل الله تعالى من نافذ قضائه وسابق علمه. أ هـ
﴿المحرر الوجيز حـ١ صـ ٢٠٩﴾
وقد جمع بين القولين الخازن رحمه الله ـ فقال :
ووجه الجمع بين القولين وهو الصواب أن الله تعالى حرم مكة يوم خلقها كما أخبر النبي ـ ﷺ ـ في قوله :" إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض " ولكن لم يظهر ذلك التحريم على لسان أحد من أنبيائه ورسله، وإنما كان تعالى يمنعها ممن أرادها بسوء، ويدفع عنها وعن أهلها الآفات والعقوبات فلم يزل ذلك من أمرها حتى بوأها الله تعالى إبراهيم وأسكن بها أهله فحينئذ سأل إبراهيم ربه عز وجل أن يظهر التحريم مكة لعباده على لسانه فأجاب الله تعالى دعوته، وألزم عباده تحريم مكة فصارت مكة حراماً بدعوة إبراهيم، وفرض على الخلق تحريمها والامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وشجرها فهذا وجه الجمع بين القولين وهو الصواب، والله أعلم. أ هـ ﴿تفسير الخازن حـ١ صـ ١٠٨﴾


الصفحة التالية
Icon