أما قوله :﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ الله﴾ ففيه قولان الأول : المراد ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت، ونظيره قوله :﴿فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [ البقرة : ٢٤ ] قيل المراد بالناس عباد الأوثان والمراد بالحجارة الأصنام التي هي أحجار منحوتة، فإن قيل إن تلك الأحجار جمادات فما الفائدة في حشرها إلى جهنم ؟ أجاب القاضي بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة في توبيخ الكفار الذين كانوا يعبدونها ولقائل أن يقول هب أن الله تعالى يحيي تلك الأصنام إلا أنه لم يصدر عنها ذنب، فكيف يجوز من الله تعالى تعذيبها ؟ والأقرب أن يقال إن الله تعالى لا يحيي تلك الأصنام بل يتركها على الجمادية.
ثم يلقيها في جهنم لأن ذلك مما يزيد في تخجيل الكفار القول الثاني : أن المراد من قوله :﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا فلما قبلوا منهم ذلك الدين صاروا كالعابدين لأولئك الشياطين وتأكد هذا بقوله تعالى :﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ [ يس : ٦٠ ] والقول الأول أولى لأن الشياطين عقلاء وكلمة ما لا تليق بالعقلاء، والله أعلم.
ثم قال :﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ قال ابن عباس : دلوهم يقال هديت الرجل إذا دللته وإنما استعملت الهداية ههنا، لأنه جعل بدل الهداية إلى الجنة، كما قال :﴿فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [ آل عمران : ٢١ ] فوقعت البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك، وعن ابن عباس ﴿فاهدوهم﴾ سوقوهم وقال الأصم : قدموهم، قال الواحدي : وهذا وهم.