وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مع أنبيائهم في العتو والتكذيب، وأن ذلك أعقبهم الأخذ الوبيل والطويل، كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب، فحل بالمعاند سوء العذاب، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم ليعلم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء الانقلاب، وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد﴾ إلى قوله :﴿إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب﴾ ولما أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قوله ﴿عجل لنا قطناً قبل يوم الحساب﴾ أتبع ذلك بأمر نبيه ـ ﷺ ـ بالصبر فقال ﴿اصبر على ما يقولون﴾ ثم آنسه بذكر الأنبياء وحال المقربين الأصفياء ﴿وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ - انتهى.
ولما كان للعلم الذي أراد الله إظهاره في هذا الوجود طريقان : حال ومقال، فأما الحال فهو ما تنطق به أحوال الموجودات التي أبدعها سبحانه في هذا الكون من علوم يدرك منها من أراد الله ما أراد، وأما المقال فهو هذا الذكر الذي هو ترجمة عن جميع الوجود، وكان سبحانه قد قدم الذكر لأنه أبين وأظهر، وأخبر أنهم أعرضوا عنه وشاققوه، وكان من شاقق الملك استحق الهلاك، وكان ما أبدوه من المغالبة أمراً غائظاً للمؤمنين، أتبعه ما يصلح لتخويف الكافرين وترجية المؤمنين مما أفصح به لسان الحال من إهلاك المنذرين، وهو أبين ما يكون من دلالاته، وأظهر ما يوجد من آياته، فقال استئنافاً :﴿كم أهلكنا﴾ وكأن المنادين بما يذكر كانوا بعض المهلكين، وكانوا أقرب المهلكين إليهم في الزمان، فأدخل الجار لذلك، فقال دالاً على ابتداء الإهلاك :﴿من قبلهم﴾ وأكد كثرتهم بقوله مميزاً :﴿من قرن﴾ أي كانوا في شقاق مثل شقاقهم، لأنهم كانوا في نهاية الصلابة والحدة والمنعة - بما دل عليه " قرن ".


الصفحة التالية
Icon