فعل العلو ثانياً، ووصف العلو ثانياً على وصف الاستكبار أولاً، وسر ذلك ان إنكار الفعل المطلق مستلزم لإنكار المقيد لأنه المطلق بزيادة، وإنكار الوصف مستلزم لإنكار الفعل لأنه جزوه مع أن إنكار الفعل من هذا مستلزم لإنكار الفعل من ذاك، فيكون كل من الفعلين مدلولاً على إنكاره مرتين : تارة بإنكار فعل عديله وأخرى بإنكار وصفه نفسه والوصفان كذلك وفعل الكبر أجدر بالإنكار من فعل العلو و " أم " معادلة لهمزة الاستفهام وإن حذفت من قراءة بعضهم لدلالة " أم " عليها وإن اختلف الفعل، قال أبو حيان : قال سيبويه : تقول : أضربت زيداً أم قتلته، فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت : أي ذلك كان - انتهى.
ولما صدعه سبحانه بهذا الإنكار، دل على إبلاسه بقوله مستأنفاً :﴿قال﴾ مدعياً لأنه من العالين :﴿أنا خير منه﴾ أي فلا حكمة في أمري بالسجود له، ثم بين ما ادعاه بقوله :﴿خلقتني من نار﴾ أي وهي في غاية القوة والإشراق ﴿وخلقته من طين﴾ أي وهو في غاية الكدورة والضعف، واستؤنف بيان ما حصل التشوف إليه من علم جوابه بقوله معرضاً عن القدح في جوابه لظهور سقوطه بأن المخلوق المربوب لا اعتراض له على ربه بوجه :﴿قال فاخرج﴾ أي بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه إلى الجور ﴿منها﴾ أي من الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب :﴿فإنك رجيم﴾ أي مستحق للطرد والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد.
ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير، بين أنه دائم بقوله، مؤكداً إشارة إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر :﴿وإن عليك﴾ أي خاصة.