فصل


قال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعاً من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام.
الشبهة الأولى : حكى عنهم أنهم قالوا :﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ﴾ ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة، بل أصروا على التقليد، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه. الأول : ذكر جواباً إلزامياً وهو قوله :﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا﴾ وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ وترك اليهودية والنصرانية أولى.
فإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ
قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلاً بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ، وأن محمداً ـ عليه السلام ـ لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ٤ صـ ٧٣﴾
﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ﴾ الضمير الغائب لأهل الكتاب، والجملة عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة، والمراد منها رد دعوتهم إلى دينهم الباطل إثر رد ادعائهم اليهودية على يعقوب ـ عليه السلام ـ، و﴿أَوْ﴾ لتنويع المقال لا للتخيير بدليل أن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر، أي : قال اليهود للمؤمنين كونوا هوداً وقالت النصارى لهم كونوا نصارى و﴿تَهْتَدُواْ﴾ جواب الأمر، أي إن كنتم كذلك تهتدوا. أ هـ ﴿روح المعانى حـ١ صـ ٣٩٣﴾
وقال الفخر :
﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى﴾ لا يجوز أن يكون المراد به التخيير، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية، بل تزعم أنه كفر. والمعلوم من حال النصارى أيضاً ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية، فكل فريق يدعو إلى دينه، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله :﴿تَهْتَدُواْ﴾ أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ٤ صـ ٧٤﴾
قوله تعالى ﴿حنيفا﴾
﴿حنيفاً﴾ أصله من الحنف وهو ميل واعوجاج يكون في القدم، قال ابن عباس : الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، قال الشاعر :
ولكنا خلقنا إذ خلقنا... حنيفاً ديننا عن كل دين
والعرب تسمي كل من حج أو اختتن حنيفاً تنبيهاً على أنه على دين إبراهيم، وقيل : الحنيفية الختان وإقامة المناسك مسلماً، يعني أن الحنيفية هي دين الإسلام وهو دين إبراهيم عليه السلام. أ هـ ﴿تفسير الخازن حـ ١ صـ ١١٥﴾


الصفحة التالية
Icon