﴿أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [ فصلت : ٣٠ ] ﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض﴾ والمراد بالأرض أرض الجنة، وإنما عبر عنه بالإرث لوجوه الأول : أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام، لأنه تعالى قال :﴿وكلا منها رغداً حيث شئتما﴾ [ البقرة : ٣٥ ] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً لتسميتها بالإرث الثاني : أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل : هذا أورث كذا وهذا العمل أورث كذا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة، لا جرم قالوا ﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض﴾ والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنة الثالث : أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء من غير منازع ولا مدافع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة كيف شاءوا وأرادوا، والمشابهة علة حسن المجاز فإن قيل ما معنى قوله ﴿حَيْثُ نَشَاء﴾ وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره ؟ قلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره، قال حكماء الإسلام : الجنات نوعان، الجنات الجسمانية والجنات الروحانية فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة فيها، أما الروحانيات فحصولها لواحد لا يمنع من حصولها للآخرين، ولما بيّن الله تعالى صفة أهل الجنة قال :﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ قال مقاتل ليس هذا من كلام أهل الجنة، بل من كلام الله تعالى لأنه لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ ولما قال تعالى :﴿وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب المتقين المؤمنين هي الجنة، فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش وأطرافه، فلهذا قال :﴿وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محفين بالعرش.
قال الليث : يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفاً إذا طافوا به.