قيل : أجل، إلا أنك ألحقت فيهما جميعا ثلاثيا برباعي، ألا ترى أن خيفقا وصيرفا ملحقان بجعفر وسلهب١؟. فإن قال لك : ابن من رد مثل فيعل وفوعل فكأنه إنما قال : ألحق رد بجعفر على حد فيعل وفوعل، اللذين ألحقتهما به، وهذا واضح، وليس كذلك التفاعل ؛ لأن التفاعل ليس ملحقا بشيء، كإلحاق صيرف وجوهر بجعفر، فهذا فرق.
ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود :"وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُون٣"، بفتح اللام.
قال أبو الفتح : التقدير فيه إذ الأغلال أعناقهم ويسحبون السلاسل، فعطف الجملة من الفعل والفاعل على التي من المبتدأ والخبر، كما عودلت إحداهما بالأخرى في نحو قوله :
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم٣
أي : أأنت موف بها أم تذم؟ فقابل المبتدأ والخبر التي من الفعل والمفعول الجاري مجرى الفاعل وقال الله تعالى :﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ٤﴾، أي : أصمتم؟ وعلى أنه لو كان إذ في أعناقهم الأغلال والسلاسل يسحبون لكان أمثل قليلا ؛ من قبل أن قوله : في أعناقهم الأغلال يشبه في اللفظ تركيب الجملة من الفعل والفاعل ؛ لتقدم الظرف على المبتدأ، كتقدم الفعل على الفاعل، مع قوة شبه الظرف بالفعل.
وعلى أن أبا الحسن يرفع زيدا من قولك : في الدار زيد بالظرف، كما يرفعه بالفعل. ومن غريب شبه الظرف بالفعل أنهم لم يجيزوا في قولهم : فيك يرغب أن يكون فيك مرفوعا بالابتداء، وفي "يرغب" ضميره، كقولك : زيد يضرب، من موضعين : أحدهما أن الفعل لا يرتفع بالابتداء، فكذلك الظرف.
والآخر أن الظرف لا ضمير له، كما أن الفعل لا ضمير له. ومن ذلك أيضا قوله :
زمان على غراب غداف فطيره الشيب عني فطارا٥
فعطفه الفعل على الظرف من أقوى دليل على شبهه به، وفيه أكثر من هذا فتركناه ؛ لأن في هذا مقنعا بإذن الله. أ هـ ﴿المحتسب حـ ٢ صـ ٢٤٠ ـ ٢٤٣﴾
٢ سورة غافر : ٧١.
٣ البيت لراشد بن شهاب اليشكري بخاطب قيس بن مسعود بن قيس بن خالد الشيباني وانظر المفضليات : ٣٠٩.
٤ انظر الصفحة ٩٠ من هذا الجزء.