ولما كانت المراتب دون عظمته سبحانه لا تنحصر ولا يحتوي عليها كلها شيء، أثبت الجار فقال :﴿من دونه﴾ أي سواه، ومن المعلوم أنهم خلقه فهم دون رتبته لأنهم في قهره ﴿لا يقضون بشيء﴾ من الأشياء أصلاً، فضلاً عن أن يقضوا بما يعارض حكمه، فلا مانع له من القضاء بالحق، فلا مقتضى لقبول الشفاعة فيمن يعلم عراقته في الظلم أنه لا ينفك عنه.
ولما أخبر أنه لا فعل لشركائهم، وأن الأمر له وحده، علل ذلك بقوله مرهباً من الخيانة وغيرها من الشر، مرغباً في كل خير، مؤكداً لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكاراً ذلك :﴿إن الله﴾ عبر به لأن السياق لتحقير شركائهم وبيان أنها في غاية النقصان ﴿هو﴾ أي وحده.
ولما ذكر ما هو غيب، وصفه بأظهر ظاهر فقال :﴿السميع﴾ أي لكل ما يمكن أن يسمع ﴿البصير﴾ أي بالبصر والعلم لكل ما يمكن أن يبصر ويعلم، فلا إدراك لشركائهم أصلاً ولا لشيء غيره بالحقيقة، ومن لا إدراك له ولا قضاء له، فثبت أن الأمر له وحده، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبينا ـ ﷺ ـ، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فإن كل أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه ـ ﷺ ـ فيقول : أنا لها أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيشفع، فيشفعه الله تعالى فيفصل سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره : جنته أو ناره، روى الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ قال : كنا مع رسول الله ـ ﷺ ـ في دعوة فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، فقال :