ولما كان من يعهدون من الملوك إنما يستعملون الأقوياء لاحتياجهم، بين أنه على غير ذلك لأنه لا حاجة به أصلاً فقال :﴿من ذكر أو أنثى﴾ ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان قال مبيناً شرطه :﴿وهو﴾ أي عمل والحال أنه ﴿مؤمن﴾ ولما كان في مقام الترغيب في عدله وجوده وفضله، جعل الجزاء مسبباً عن الأعمال فقال :﴿فأولئك﴾ أي العالو الهمة والمقدار ﴿يدخلون الجنة﴾ أي بأمر من له الأمر كله بعد أن ضاعف لهم أعمالهم فضلاً، والآية من الاحتباك : ذكر المساواة أولاً عدلاً يدل على المضاعفة ثانياً فضلاً، وذكر إدخال الجنة ثانياً يدل على إدخال النار أولاً، وسره أنه ذكر فضله في كل من الشقين ﴿يرزقون فيها﴾ أي من غير احتياج إلى تحول أصلاً ولا إلى أسباب، ولعل ذلك من أسرار البناء للمفعول ﴿بغير حساب﴾ لخروج ما فيها بكثرته عن الحصر، فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، وهذا من باب الفضل، وفضل الله لا حد له، ورحمته غلبت غضبه، وأما جزاء السيئة فمن باب العدل، فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم، قال الأصبهاني : فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد لسبق الرحمة الغضب، فانهدمت قواعد المعتزلة. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٦ صـ ٥١٦ ـ ٥١٨﴾


الصفحة التالية
Icon