فصل
قال الفخر :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾
اعلم أنا بينا أن الكلام في أول هذه السورة إنما ابتدىء رداً على الذين يجادلون في آيات الله، واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذي لخصناه، والنسق الذي كشفنا عنه إلى هذا الموضع، ثم إنه تعالى نبّه في هذه الآية على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة، فقال :﴿إِنَّ الذين يجادلون فِى ءايات الله بِغَيْرِ سلطان﴾ إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدرهم فذلك الكبر هو الذي يحملهم على هذا الجدال الباطل، وذلك الكبر هو أنهم لو سلموا نبوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك، لأن النبوّة تحتها كل ملك ورياسة وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا في خدمتك، فهذا هو الذي يحملهم على هذه المجادلات الباطلة والمخاصمات الفاسدة.
ثم قال تعالى :﴿مَّا هُم ببالغيه﴾ يعني أنهم يريدون أن يكونوا تحت يدك ولا يصلون إلى هذا المراد، بل لا بدّ وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك، ثم قال :﴿فاستعذ بالله﴾ أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع﴾ بما يقولون، أو تقول ﴿البصير﴾ بما تعمل ويعملون، فهو يجعلك نافذ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم.