السؤال الثاني : المعنى : أن الرسل جاءتهم من قبلهم ومن بعدهم، فإن قيل : الرسل الذين جاؤا من قبلهم ومن بعدهم، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاؤهم ؟ قلنا : قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل، وبهذا التقدير فكأن جميع الرسل قد جاؤهم.
ثم قال :﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله﴾ يعني أن الرسل الذي جاؤهم من بين أيديهم ومن خلفهم أمروهم بالتوحيد ونفي الشرك، قال صاحب "الكشاف" أن في قوله ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله﴾ بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه لا تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا الله.
ثم حكى الله تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا ﴿لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ ملائكة﴾ يعني أنهم كذبوا أولئك الرسل، وقالوا الدليل على كونكم كاذبين أنه تعالى لو شاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل رسله من زمرة الملائكة، لأن إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البعثة والرسالة، ولما ذكروا هذه الشبهة قالوا ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون﴾ معناه : فإذاً أنتم بشر ولستم بملائكة، فأنتم لستم برسل، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا قبول قولكم، وهو المراد من قوله ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون ﴾.
واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام، وقوله ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأنبياء رسلاً، وإنما ذكروه حكاية لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء، كما قال فرعون ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [ الشعراء : ٢٧ ].