أخرى، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهاً بقيت له مقامات أخرى فأولها : أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل، ولا يتوغل في جانب الإثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل، وأيضاً يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم، فهذا هو المراد من قوله ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾ وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله﴾ متناولاً للقول والاعتقاد ويكون قوله ﴿ثُمَّ استقاموا﴾ متناولاً للأعمال الصالحة.
ثم قال :﴿تَتَنَزَلَ عَلَيْهِمْ الملائكة﴾ قيل عند الموت وقيل في مواقف ثلاثة عند الموت وفي القبر وعند البعث إلى القيامة ﴿أَلاَّ تَخَافُواْ﴾ أن بمعنى أي أو بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لا تخافوا والهاء ضمير لشأن واعلم أن الغاية القصوى في رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع، ومعلوم أن دفع المضرة أولى بالرعاية من جلب المصلحة، والمضرة إما أن تكون حاصلة في المستقبل أو في الحال أو في الماضي، وههنا دقيقة عقلية وهي أن المتسقبل مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضي، فإن الشيء الذي لم يوجد ويتوقع حدوثه يكون مستقبلاً، فإذا وجد يصير حاضراً، فإذا عدم وفني بعد ذلك يصير ماضياً، وأيضاً المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولاً والماضي في كل حالة أبعد حصولاً، ولهذا قال الشاعر :
فلا زال ما تهواه أقرب من غد.. ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس