وأما أن الإنسان يؤوس قنوط إن مسه الشر فذلك من خُلق قلة صبر الإنسان على ما يتعبه ويَشق عليه فيضجر إن لحقه شرّ ولا يوازي بين ما كان فيه من خير فيقول : لئن مسني الشرّ زمناً لقد حلّ بي الخير أزماناً، فمن الحق أن أتحمل ما أصابني كما نعمت بما كان لي من خير، ثم لا ينتظر إلى حين انفراج الشرّ عنه وينسى الإقبال على سؤال الله أن يكشف عنه الضر بل ييأس ويقنط غضباً وكبراً ولا ينتظر معاودة الخير ظاهراً عليه أثرُ اليأس بانكسار وحزن.
واليأس فعل قلبي هو : اعتقاد عدم حصوله الميؤوس منه.
والقُنوط : انفعال يدني من أثَر اليأس وهو انكسار وتضاؤل.
ولم يذكر هنا أنّه ذو دعاء لله كما ذكر في قوله الآتي :﴿ وإذا مسه الشرُّ فذو دعاء عريض ﴾ [ فصلت : ٥١ ].
لأنّ المقصود أهل الشرك وهم إنّما ينصرفون إلى أصنامهم.
وقد جاءت تربية الشريعة للأمّة على ذم القنوط، قال تعالى حكاية عن إبراهيم ﴿ قال ومن يَقنَط من رحمة ربّه إلاّ الضَّالون ﴾ [ الحجر : ٥٦ ]، وفي الحديث " انتظار الفرج بعد الشدّة عبادة ".
فالآية وصفت خُلقين ذميمين : أحدهما خلق البطر بالنعمة والغفلة عن شكر الله عليها.
وثانيهما اليأس من رجوع النعمة عند فقدها.
وفي نظم الآية لطائف من البلاغة:
الأولى : التعبير عن دوام طلب النّعمة بعَدم السآمة كما علمْتَه.
الثانية : التعبير عن محبّة الخير بدُعاء الخير.
الثالثة : التعبير عن إضافة الضر بالمسّ الذي هو أضعف إحساس الإصابة قال تعالى :﴿ لا يَمَسُّهم السوء ﴾ [ الزمر : ٦١ ].
الرّابعة : اقتران شرط مسّ الشر بـ ﴿ إنْ ﴾ التي من شأنها أن تدخل على النادر وقوعُه فإن إصابة الشر الإنسانَ نادرة بالنسبة لما هو مغمور به من النعم.
الخامسة : صيغة المبالغة في ﴿ يَؤُوس ﴾.


الصفحة التالية
Icon