وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾
أي يخذله ﴿ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ ﴾ هذا فيمن أعرض عن النبيّ ﷺ فيما دعاه إليه من الإيمان بالله والمودّة في القربى، ولم يصدّقه في البعث وأن متاع الدنيا قليل.
أي من أضله الله عن هذه الأشياء فلا يهديه هادٍ.
قوله تعالى :﴿ وَتَرَى الظالمين ﴾ أي الكافرين.
﴿ لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ﴾ يعني جهنم.
وقيل رأوا العذاب عند الموت.
﴿ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ ﴾ يطلبون أن يُرَدّوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله فلا يجابون إلى ذلك.
قوله تعالى :﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ أي على النار لأنها عذابهم ؛ فكنى عن العذاب المذكور بحرف التأنيث ؛ لأن ذلك العذاب هو النار، وإن شئت جهنم، ولو راعى اللفظ لقال عليه.
ثم قيل : هم المشركون جميعاً يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها ؛ قاله الأكثرون.
وقيل : آل فرعون خصوصاً، تُحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح ؛ فهو عرضهم عليها ؛ قاله ابن مسعود.
وقيل : إنهم عامة المشركين، تعرض عليهم ذنوبهم في قبورهم، ويعرضون على العذاب في قبورهم ؛ وهذا معنى قول أبي الحجاج.
﴿ خَاشِعِينَ مِنَ الذل ﴾ ذهب بعض القراء إلى الوقف على "خَاشِعِينَ".
وقوله :"مِنَ الذُّلِّ" متعلق ب "يَنْظُرُونَ".
وقيل : متعلق ب "خَاشِعِينَ" والخشوع الانكسار والتواضع.
ومعنى ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ أي لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعاً تاماً ؛ لأنهم ناكسو الرؤوس.
والعرب تصف الذليل بغَضِّ الطرف، كما يستعملون في ضدّه حديد النظر إذا لم يُتَّهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة.
وقال مجاهد :"مِنْ طَرْفٍ خَفيٍّ" أي ذليل، قال : وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يُحشرون عمياً، وعين القلب طرفٌ خفِيّ.
وقال قتادة والسدّي والقُرَظِيّ وسعيد بن جبير : يسارقون النظر من شدّة الخوف.


الصفحة التالية
Icon