وهذا معنى قول القاضي عياض في الشفاء في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع في الإعجاز : وقد قيل في قوله تعالى ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً﴾ الآية أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة، ومعنى قول الإمام شهاب الدين السهروردي في الباب السادس والعشرين من عوارفه : والعلوم اللدنية في قلوب المنقطعين إلى الله ضرب من المكالمة.
ولما كان الحجاب الحسي يخفي ما وراءه عن العيان، استعير لمطلق الخفاء فقال :﴿أو من﴾ أي كلاماً كائناً بلا واسطة، لكنه مع السماع لعين كلام الله كائن صاحبه من ﴿وراء حجاب﴾ أي من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام على وجه الجهر، قال القشيري : والمحجوب العبد لا الرب، والحجاب أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية، وتعالى الله أن يكون من وراء حجاب لأن ذلك صفة الأجسام - انتهى.
والآية يمكن تنزيلها على الاحتباك بأن يكون ذكر الحجاب ثانياً دليلاً على نفيه أولاً، وذكر الوحي الدال على الخفاء أولاً دليلاً على الجهر ثانياً، والحجاب ثانياً دليلاً على الرؤية أولاً، وسره أن ترك التصريح والدلالة عليها بالحجاب أولى بسياق العظمة.
ولما كان الذي بلا واسطة مع كونه أخفى الأقسام ليس فيه صوت ولا ترتب في كلمات، عبر فيه بالمصدر وعبر بما يلقيه الملك بما يدل على التجدد فقال :﴿أو يرسل﴾ وهو عطف على المصدر بعد تقدير حله ﴿رسولاً﴾ أي من الملائكة.
ولما كان الوحي مسبباً عن الإرسال ومرتباً عليه قال :﴿فيوحي﴾ أي على سبيل التجديد والترتيب، وقرأ نافع برفع يرسل ويوحي بتقدير : أو هو يرسل.
ولما كان ربما ظن أن للواسطة فعلاً يخرج عن فعله، رد ذلك بقوله :﴿بإذنه﴾ أي بإقداره وتمكينه، فذلك المبلغ إنما هو آلة.