ومراتب القوة المدركة الإنسانية خمسة، أحدهما القوة الحساسة وهي التي تتلقى ما تورده الحواس الخمس، وكأنها أصل الروح الحيواني إذ بها يصير الحيوان حيواناً، وهي موجودة للصبي والرضيع وثانيها القوة الخيالية وهي التي تسبب ما أوردته الحواس وتحفظه مخزوناً عندها لتعرضه عن القوة العقلية عند الحاجة إليه، وثالثها القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية، ورابعها القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفاً تستنتج منه علماً بالمجهول، وخامسها القوة القدسية التي يختص بها الأنبياء وبعض الأولياء، وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت، وإليه إشار قوله ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ الآية، وإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات، وهذه المراتب الخمس يمكن تشبيهها بالأمور الخمسة التي ذكرها الله في المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت، أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصته وجدت أنواره خارجة من ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين، فأرفق مثال له من عالم الأجسام المشكاة، وأما الثاني وهو الروح الخيالي فله خواص ثلاثة : الأول أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو شكل وحيز، ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة، والثاني أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق صار موازناً للمعارف العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني العقلية كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبختم فروج الناس وأفواهم على الأذان قبل الصبح، والثالث أن الخيال في البداية محتاج إليه لتضبط به المعارف العقلية ولا تضطرب، وأنت لا تجد شيئاً في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات إلا الزجاجة فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ثم يحفظه من الانطفاء بالزجاج، وأما