ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة علل ذلك بما هو أعم فقال :﴿إن الله﴾ أي المحيط بجميع صفات الكمال ﴿بالناس﴾ أي الذين هم أعم من المؤمنين وغيرهم ممن ينوسون بين حال الهدى والفتنة ﴿لرءوف﴾ أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح رأفة منه به، فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، قال : والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم، وقال في شرح الأسماء : إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يُستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى.
وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه ﴿رحيم﴾ لمن يشاء ولو لم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعاً أشد ما كان بها اعتلاقاً فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق من العالي إلى الأعلى، فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب، فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له ﷺ بأنه يقر عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلاً والإقبال لمن كان مدبراً.
وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له ﷺ، فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق المحمدي باتباع الكل له ﷺ والله أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلاً للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس، لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ١ صـ ٢٦١ ـ ٢٦٥﴾


الصفحة التالية
Icon