وصافيته وتصافينا تخالصنا.
عجب من إضافتهم إلى الله اختيار البنات مع اختيارهم لأنفسهم البنين، وهو مقدّس عن أن يكون له ولد إن توهم جاهل أنه اتخذ لنفسه ولداً فهلا أضاف إليه أرفع الجنسين! ولم جعل هؤلاء لأنفسهم أشرف الجنسين وله الأخس؟ وهذا كما قال تعالى :﴿ أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى ﴾ [ النجم : ٢١ ٢٢ ].
قوله تعالى :﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً ﴾ أي بأنه ولدت له بنت ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ ﴾ أي صار وجهه ﴿ مُسْوَدّاً ﴾ قيل ببطلان مَثَله الذي ضربه.
وقيل : بما بُشِّر به من الأنثى ؛ دليله في سورة النحل ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ﴾ [ النحل : ٨٥ ].
ومِن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت له أنثى اغتم واربد وجهه غيظاً وتأسفاً وهو مملوء من الكرب.
وعن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة فقالت :
ما لأِبي حمزة لا يأتينا...
يَظَلّ في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا...
وإنما نأخذ ما أعطينا
وقرىء "مسودٌّ، ومسوادٌّ".
وعلى قراءة الجماعة يكون وجهه اسم "ظَلَّ" و "مُسْوَدًّا" خبر "ظَلَّ".
ويجوز أن يكون في "ظَلَّ" ضمير عائد على أحد وهو اسمها، و "وَجْهُهُ" بدل من الضمير.
و"مُسْوَدًّا" خبر "ظَلَّ".
ويجوز أن يكون رفع "وَجْهُهُ" بالابتداء، ويرفع "مُسْوَدًّا" على أنه خبره، وفي "ظَلَّ" اسمها والجملة خبرها.
﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي حزين ؛ قاله قتادة.
وقيل مكروب ؛ قاله عكرمة.
وقيل ساكت ؛ قاله ابن أبي حاتم ؛ وذلك لفساد مَثَله وبطلان حجته.
ومن أجاز أن تكون الملائكة بنات الله فقد جعل الملائكة شِبهاً لِلّه ؛ لأن الولد من جنس الوالد وشبهه.
ومن اسودّ وجهه بما يضاف إليه مما لا يرضى، أولى من أن يسود وجهه بإضافة مثل ذلك إلى من هو أجلّ منه ؛ فكيف إلى الله عز وجل! وقد مضى في "النحل" في معنى هذه الآية ما فيه كفاية.


الصفحة التالية