لما ثبت اختصاصه بالملك وكان الملك لا يكون إلا عالماً بملكه وكان ربما ادعى مدع وتكذب معاند في الملك أو العلم، قطع الأطماع بقوله :﴿وعنده﴾ أي وحده ﴿علم الساعة﴾ سائقاً له مساق ما هو معلوم الكون، لا مجال للخلاف فيه إشارة إلى ما عليها من الأدلة القطعية المركوزة في الفطرة الأولى فكيف يما يؤدي إليه الفكر من الذكر المنبه عليه السمع، ولأن من ثبت اختصاصه بالملك وجب قبول أخباره لذاته، وخوفاً من سطواته، ورجاء في بركاته ﴿وإليه﴾ أي وحده لا إلى غيره بعد قيام الساعة ﴿ترجعون﴾ بأيسر أمر تحقيقاً لملكه وقطعاً للنزاع في وحدانيته، وقراءة الجماعة وهم من عدا ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن يعقوب بالخطاب أشد تهديداً من قراءة الباقين بالغيب، وأدل على تناهي الغضب على من لا يقبل إليه بالمتاب بعد رفع كل ما يمكن أن يتسبب عنه ارتياب.
ولما أرشد السياق قطعاً إلى التقدير : فلا شريك له في شيء من ذلك ولا ولده ولا يقدر أحد منهم على التخلف عن الرجوع إليه كما أنه لا يقدر أحد على مدافعة قضائه وقدره، عطف عليه قوله :﴿ولا يملك﴾ أي بوجه من الوجوه في وقت ما ﴿الذين يدعون﴾ أي يجعلونهم في موضع الدعاء بعبادتهم لهم، وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى :﴿من دونه﴾ من أدنى رتبة من رتبته من الأصنام والملائكة والبشر وغيرهم ﴿الشفاعة﴾ أي فلا يكون منهم شفيع كما زعموا أنهم شفعاؤهم ﴿إلا من شهد﴾ أي منهم ﴿بالحق ﴾.
أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلاً لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أصنامهم التي ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه كالدعوى.


الصفحة التالية
Icon