ولما كان من العجائب أن يقتل منهم نفساً ثم يخرج فاراً منهم ثم يأتي إليهم لا سيما إتياناً يقاهرهم فيه في أمر عظيم من غير أن يقع بينهم وبينه ما يمحو ما تقدم منه، نبههم على إتيانه هذا على هذا الحال آية أخرى دالة على السلطان، فقال مؤكداً تكذيباً لظنهم أنه في قبضتهم :﴿وإني عذت﴾ أي اعتصمت وامتنعت ﴿بربي﴾ الذي رباني على ما اقتضاه لطفه بي وإحسانه إليّ ﴿وربكم﴾ الذي أعاذني من قتلكم لي بكم على ما دعت إليه حكمته من جبروتكم وتكبركم وقوة مكنتكم ﴿أن ترجمون﴾ أي أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي، ما أتيتكم حتى توثقت من ربي في ذلك، فإني قلت ﴿إني أخاف أن يقتلون﴾ فقال ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا﴾ [ القصص : ٣٨ ] فهو من أعظم آياتي أن لا تصلوا على قوتكم وكثرتكم إلى قتلي منع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني.
ولما كان التقدير : فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم، عطف عليه قوله :﴿وإن لم تؤمنوا لي﴾ أي تصدقوا لأجلي ما أخبرتكم به ﴿فاعتزلون﴾ أي وإن لم تعتزلوني هلكتم، ولا تقدرون على قتلي بوجه وأنا واحد ممن تسومونهم سوء العذاب، وما قتلتم أبناءهم إلا من أجلي، فرباني على كف من ضاقت عليه الأرض بسببي وسفك الدماء في شأني، ومنعه الله من أن يصل إليّ منه سوء قبل أن أعوذ به، فكيف به بعد أن أرسلني وعذت به فأعاذني، واستجرت به فأجارني.