﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى ﴾ أي : لا يموتون فيها أبداً إلا الموتة التي ذاقوها في الدنيا، والاستثناء منقطع، أي : لكن الموتة التي قد ذاقوها في الدنيا، كذا قال الزّجاج والفراء، وغيرهما، ومثل هذه الآية قوله :﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ النساء : ٢٢ ] وقيل : إن " إلا " بمعنى بعد، كقولك : ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي : بعد رجل عندك، وقيل : هي بمعنى : سوى، أي : سوى الموتة الأولى.
وقال ابن قتيبة : إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إياها، فيكون الاستثناء على هذا متصلاً.
واختار ابن جرير أن إلا بمعنى بعد، واختار كونها بمعنى سوى ابن عطية ﴿ ووقاهم عَذَابَ الجحيم ﴾.
قرأ الجمهور :﴿ وقاهم ﴾ بالتخفيف، وقرأ أبو حيوة بالتشديد على المبالغة ﴿ فَضْلاً مّن رَّبّكَ ﴾ أي : لأجل الفضل منه، أو أعطاهم ذلك عطاء فضلاً منه ﴿ ذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ أي : ذلك الذي تقدّم ذكره هو الفوز الذي لا فوز بعده، المتناهي في العظم.
ثم لما بيّن سبحانه الدلائل، وذكر الوعد، والوعيد، قال :﴿ فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أي : إنما أنزلنا القرآن بلغتك كي يفهمه قومك، فيتذكروا، ويعتبروا، ويعملوا بما فيه، أو سهلناه بلغتك عليك، وعلى من يقرؤه لعلهم يتذكرون ﴿ فارتقب إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ ﴾ أي : فانتظر ما وعدناك من النصر عليهم، وإهلاكهم على يدك، فإنهم منتظرون ما ينزل بك من موت، أو غيره، وقيل : انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، فإنهم منتظرون بك نوائب الدهر، والمعنى متقارب.