ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف، قال :﴿لقوم﴾ أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه ﴿يوقنون﴾ أي يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان، فلا يخالطهم شك في وحدانيته ؛ قال الحرالي في تفسير ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ : آية النفس منبهة على آية الحس، وآية الحس منبهة على آية النفس، إلا أن آية النفس أعلق، فهي لذلك أهدى، غاية آية الآفاق الإيمان، وغاية آية النفس اليقين.
ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس، ضم إليهم بعض ما خلقه لأجلهم لشرفه بالحياة، أتبعه ما أودع الظرف من المرافق لأجل الحيوان فقال :﴿واختلاف الّيل والنهار﴾ بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره، وجر " اختلاف " بتقدير " في " فينوب حرف العطف مناب عامل واحد للابتداء عند من رفع " آيات "، ومناب " إن " عند من نصب، فلم يلزم نيابته مناب عاملين مختلفين في الابتداء في الرفع وفي " إن " في النصب.
ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة، لأن الشيء كلما قل الإلف له كان أمكن للتأمل فيه، أولاه إياه فقال :﴿وما أنزل الله﴾ أي الذي تمت عظمته فنفذت كلمته.
ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما اتى من علو معنوي وإن لم يكن حسياً، بين أن المراد هنا الأمران فقال :﴿من السماء ﴾.
ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال :﴿من رزق﴾ أي مطر وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق ﴿فأحيا به﴾ أي بسببه وتعقبه ﴿الأرض﴾ أي الصالحة للحياة، ولذلك قال :﴿بعد موتها﴾ أي يبسها وتهشم ما كان فيها من النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها تراباً، فإذا نزل عليها الماء جمعه منها فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله، ولذلك لم يأت بالجار إشارة إلى دوام الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل.


الصفحة التالية
Icon