وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت السورة المتقدمة إيضاح أمر الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور، كان أمر من كفر من العرب أعظم شيء لانقطاعهم عجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما قاموا بادعاء معارضته ولا تشوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك المعارضة، أتبع ذلك تعالى تنبيهاً لنبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواه مما صد المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، فقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين ﴿إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ أي لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى﴾ [ الروم : ٨ ] فلما نبه بخلق السماوات والأرض، أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال ﴿وفي خلقكم وما بث فيهما من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الّيل والنهار﴾ أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ ثم نبه على الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقاً بحط القياس فقال ﴿وما أنزل الله من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ ثم قال ﴿وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون﴾ الاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطاً يطول، ثم قال ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق﴾ أي علاماته ودلائله ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ ثم قال ﴿فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون﴾ أبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولي الألباب، فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر، ثم أردف تعالى بقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع وضوح الأمر فقال ﴿ويل لكل أفاك أثيم﴾ الآيات الثلاث، ثم قال ﴿هذا هدى﴾ وأشار إلى الكتاب وجعله نفس