ولا شك أن ظهور الاستقبال يكون في أمر مشاهد لكل أحد لأن إدراك المخالفة في الأحكام والمقاصد الشرعية والكمالات النفسانية التي فَضُل بها الإسلام غيرَه لا يدركه كل أحد بل لا يعلمه إلاّ الذين أوتوا العلم، وعلى هذا يكون قوله :﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ ناظراً إلى قوله :﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق﴾ [البقرة : ١٤٤]، وقوله :﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ [البقرة : ١٤٦]. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٤٦﴾
سؤال : من المراد من (الناس) ؟
الجواب : قيل : أراد بالناس أهل الكتاب : وقيل : هو على العموم وقيل هم قريش واليهود فأما قريش فقالوا : رجع محمد إلى الكعبة لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة أبيه وسيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا وقالت اليهود : لم ينصرف محمد عن بيت المقدس مع علمه أنه حق إلاّ أنه يعمل برأيه. أ هـ ﴿تفسير الخازن حـ ١ صـ ١٢٤﴾
سؤال : قال الفخر : ههنا سؤال، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ليست بحجة، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال.
الأول : أنه استثناء متصل ثم على هذا القول يمكن دفع السؤال من وجوه :
الوجه الأول : أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة، قد تكون أيضاً باطلة، قال الله تعالى ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ﴾ [الشورى : ١٦] وقال تعالى :﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم﴾ [آل عمران : ٦١] والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجة إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة، وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجة الطريق، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلاً.


الصفحة التالية
Icon