وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال :﴿مَا أَسْخَطَ الله﴾ ولم يقل : ما أرضى الله (١) وذلك لأن رحمة الله سابقة، فله رحمة ثابتة وهي منشأ الرضوان، وغضب الله متأخر فهو يكون على ذنب، فقال :﴿رِضْوَانَهُ﴾ لأنه وصف ثابت لله سابق، ولم يقل سخط الله، بل ﴿مَا أَسْخَطَ الله﴾ إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان، ولهذا المعنى قال في اللعان في حق المرأة ﴿والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصادقين﴾ [ النور : ٩ ] يقال : غضب الله مضافاً لأن لعانه قد سبق مظهر الزنا بقوله وأيمانه، وقبله لم يكن لله غضب، و رضوان الله أمر يكون منه الفعل، وغضب الله أمر يكون من فعله، ولنضرب له مثالاً : الكريم الذي رسخ الكرم في نفسه يحمله الكرم على الأفعال الحسنة، فإذا كثر من السيء الإساءة فغضبه لا لأمر يعود إليه، بل غضبه عليه يكون لإصلاح حالة، وزجراً لأمثاله عن مثل فعاله، فيقال هو كان الكريم فكرمه لما فيه من الغريزة الحسنة، لكن فلاناً أغضبه وظهر منه الغضب، فيجعل الغضب ظاهراً من الفعل، والفعل الحسن ظاهراً من الكرم، فالغضب في الكريم بعد فعل، والفعل منه بعد كرم، ومن هذا يعرف لطف قوله ﴿مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ ﴾.
ثم قال تعالى :﴿فَأَحْبَطَ أعمالهم﴾ حيث لم يطلبوا إرضاء الله، وإنما طلبوا إرضاء الشيطان والأصنام.

(١) يعني أنه تعالى قال : وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ولم يقل : وكرهوا ما أرضى اللّه، وليس في مقابلة قوله ما أَسْخَطَ اللَّهَ كما هو المتبادر من قول المفسر.


الصفحة التالية
Icon