ولما كان سبحانه قد عفا عن إهمال الدليل العقلي على الوحدانية قبل الإرسال، قال مثبتاً الجار إعلاماً بأنه لا يغفر لمضيعه بعد الإرسال ولو في أدنى وقت :﴿من بعد ما تبين﴾ أي غاية التبين بالمعجز ﴿لهم الهدى﴾ بحيث صار ظاهراً بنفسه غير محتاج بما أظهره الرسول من الخوارق إلى مبين، ومنه ما أخبرت به الكتب القديمة الإليهة.
ولما كان المناصب للرسول إنما ناصب من أرسله، دل على ذلك بقوله معرياً له من الفاء دلالة على عدم التسبيب بمعنى أن عدم هذا الضر موجود عملوا أو لم يعملوا وجدوا أو لم يوجدوا ﴿لن يضروا الله﴾ أي ملك الملوك، ولم يقل : الرسول ﴿شيئاً﴾ أي كثيراً ولا قليلاً من ضرر بما تجمعوا عليه من الكفر والصد.
ولما كان التقدير : إنما ضروا أنفسهم ناجزاً بأنهم أتعبوها مما لم يغن عنهم شيئاً.
عطف عليه :﴿وسيحبط﴾ أي يفسد فيبطل بوعد لا خلق فيه ﴿أعمالهم﴾ من المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت، فهو إنما يرائي بها، ومن المجاهر على غير أساس أصلاً، فلا ينفعهم شيء منها، ومن المكائد التي يريدون بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن تناهوا في إحكامها، فلا تثمر لهم إلا عكس مرادهم سواء.


الصفحة التالية
Icon