ويجوز أن يكون المراد : لتشاهد المغفرة بالنقلة إلينا بعد علم اليقين بعين اليقين وحق اليقين، فالمعنى أن الله يتوفاه ـ ﷺ ـ عقب الفتح ودخول جميع العرب الذين يفتتحون جميع البلاد ويهدي الله بهم سائر العباد في دينه، ويأس الشيطان من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من امتلاء الأكوان بحسناته ـ ﷺ ـ، وعموم ما دل عليه اسمه المذكور في هاتين السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ أتباعه إلى حد لا يحصرون فيه بعد، ولا يقف لهم مخلوق على حد.
ولما كان تمام النعمة يتحقق بشيئين : إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة النبيين، قال تعالى مخبراً بالشيئين :﴿ويتم نعمته عليك﴾ بنقلك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح، الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل، ويدحضون شبه الشيطان، ويدمغون كل كفران، وينشرون رايات الإيمان في جميع البلدان، بعد إذلال أهل العدوان، ومحو كل طغيان.
ولما كانت هدايتهم من هدايته، أضافها سبحانه إليه إعلاماً له أنها هداية تليق بجانبه الشريف سروراً له فقال :﴿ويهديك﴾ أي بهداية جميع قومك ﴿صراطاً مستقيماً﴾ أي واضحاً جليلاً جلياً موصلاً إلى المراد من كتاب لا عوج فيه بوجه، هداية تقتضي لزومه والثبات عليه ﴿وينصرك الله﴾ بنصرهم على ملوك الأمم وجلائهم لسائر الغمم، نصراً يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم ﴿نصراً عزيزاً﴾ أي يغلب المنصور به كل من ناواه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تنصف به لا يظهر عليها أحد، والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء.