الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع، لا راد لأمره ﴿أجراً حسناً﴾ دنيا وأخرى، جعل الله طاعة أبي بكر ـ رضى الله عنه ـ في هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول الله ـ ﷺ ـ الذي طاعته طاعة الله، جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي ـ ﷺ ـ من الصلح وثباته بما أجاب به عمر ـ رضى الله عنهما ـ بمثل جواب النبي ـ ﷺ ـ من غير أن يكون حاضراً له كما هو معلوم من السيرة.
ولما كانت مخالفة الرسول ـ ﷺ ـ ومن يقوم مقامه لا تكون إلا من منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها، عبر بالتفعل فقال :﴿وإن تتولوا﴾ عن قبول دعوته عصياناً ﴿كما توليتم﴾ أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي بالتخلف عن الرسول ـ ﷺ ـ ﴿من قبل﴾ أي بعض الأزمان التي تقدمت على هذا الدعاء، وذلك في الحديبية ﴿يعذبكم﴾ أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ﴿عذاباً أليماً﴾ لأجل تكرر ذلك منكم.
ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول الله ـ ﷺ ـ ثم توعدهم في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق، وكان أهل الأعذار لا يتيسر لهم ما أريد بهذا الدعاء، وكان الدين مبنياً على الحنيفية السمحة، استأنف قوله تعالى مسكناً لما اشتثاره الوعيد من روعهم :﴿ليس على الأعمى﴾ أي في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي ـ ﷺ ـ أو مع غيره من أئمة الدعاء ﴿حرج﴾ أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع بطشه، ولأجل تأكيد المعنى تسكيناً لما ثار من روع المؤمن كرر النافي والحرج في كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الأمر فقال :﴿ولا على الأعرج﴾ وإن كان نقصه أدنى من نقص العمى ﴿حرج﴾ وجعل كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الحكم.


الصفحة التالية
Icon