قال ابن جرير : وذلك علمه تعالى ذكره بما بمكة من الرجال، والنساء المؤمنين لم يعلمهم المؤمنون، ولو دخلوها في ذلك العام لوطئوهم بالخيل والرجل، فأصابهم منهم معرة بغير علم، فردهم الله عن مكة من أجل ذلك. وليدخل في رحمته من يشاء ممن يريد أن يهديه ﴿ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ ﴾ أي : قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ :﴿ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ يعني الصلح الذي جرى بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش، أو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين، إلى أن يتيسر الفتح الموعود. وإلى الأول ذهب الزهري، قال : يعني صلح الحديبية. وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس. فلما كانت الهدنة، وضعت الحرب، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضاً، فالتقوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام، يعقل شيئاً، إلا دخل فيه. فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر. ووافقه مجاهد، وإلى الثاني ذهب ابن زيد.
قال ابن جرير : والصواب أن يعم فيقال : جعل الله من دون ذلك كليهما.
﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾ [ ٢٨ ].
﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ﴾ أي : البيان الواضح :﴿ وَدِينِ الْحَقِّ ﴾ أي : الإسلام. وقال المهايمي :﴿ بِالْهُدَى ﴾ أي : الدلائل القطعية :﴿ وَدِينِ الْحَقِّ ﴾ أي : الاعتقادات الصائبة المطابقة لما هو الواقع أشد مطابقة.


الصفحة التالية
Icon