ونعود إلى قصة تحقيق هذا الوعد ؛ فقد ذكرت الروايات أنه لما كان ذو القعدة من سنة سبع - أي العام التالي لصلح الحديبية - خرج رسول الله ـ ﷺ ـ إلى مكة معتمراً هو وأهل الحديبية. فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي - كما وأحرم وساق الهدي في العام قبله - وسار أصحابه يلبون.
فلما كان ـ ﷺ ـ قريباً من مر الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رعبوا رعباً شديداً، وظنوا أن رسول الله ـ ﷺ ـ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة. فلما جاء رسول الله ـ ﷺ ـ فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن ياجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قُرُبها كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص، فقال : يا محمد، ما عرفناك تنقض العهد. فقال ـ ﷺ ـ :" وما ذاك؟ " قال : دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال ـ ﷺ ـ :" لم يكن ذلك، وقد بعثنا به إلى ياجج " فقال : بهذا عرفناك، بالبر والوفاء!
وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ـ ﷺ ـ وإلى أصحابه - رضي الله عنهم - غيظاً وحنقاً. وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله ـ ﷺ ـ وأصحابه. فدخلها ـ ﷺ ـ وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام الناقة يقودها.


الصفحة التالية
Icon