واللقطة الثالثة مثلها. ولكنها لقطة لبواطن نفوسهم وأعماق سرائرهم :﴿ يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾.. فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة. كل ما يشغل بالهم، وكل ما تتطلع إليه أشواقهم، هو فضل الله ورضوانه. ولا شيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه ويشتغلون به.
واللقطة الرابعة تثبت أثر العبادة الظاهرة والتطلع المضمر في ملامحهم، ونضحها على سماتهم :﴿ سيماهم في وجوهم من أثر السجود ﴾.. سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف. وليست هذه السيما في النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله :﴿ من أثر السجود ﴾.. فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة. واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها. فهو أثر هذا الخشوع. أثره في ملامح الوجه، حيث تتوراى الخيلاء والكبرياء والفراهة. ويحل مكانها التواضع النبيل، والشفافية الصافية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلاً.
وهذه الصورة الوضيئة التي تمثلها هذه اللقطات ليست مستحدثة. إنما هي ثابتة لهم في لوحة القدر، ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة :﴿ ذلك مثلهم في التوارة ﴾.. وصفتهم التي عرفهم الله بها في كتاب موسى، وبشر الأرض بما قبل أن يجيئوا إليها.
﴿ ومثلهم في الإنجيل ﴾.. وصفتهم في بشارته بمحمد ومن معه، أنهم :﴿ كزرع أخرج شطأه ﴾.. فهو زرع نام قوي، يخرج فرخه، من قوته وخصوبته. ولكن هذا الفرخ لا يضعف العود بل يشده. ﴿ فآزره ﴾. أو أن العود آزر فرخه فشده. ﴿ فاستغلظ ﴾ الزرع وضخمت ساقه وامتلأت. ﴿ فاستوى على سوقه ﴾ لا معوجا ومحنيا.