قال تعالى :﴿مِنَ المؤمنين﴾ ولم يقل منكم، مع أن الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءَامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [ الحجرات : ٦ ] تنبيهاً على قبح ذلك وتبعيداً لهم عنهم، كما يقول السيد لعبده : إن رأيت أحداً من غلماني يفعل كذا فامنعه، فيصير بذلك مانعاً للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن، كأنه يقول : أنت حاشاك أن تفعل ذلك، فإن فعل غيرك فامنعه، كذلك ههنا قال :﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين﴾ ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد.
المسألة الرابعة :
قال تعالى :﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ ولم يقل : وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين، مع أن كلمة ﴿إن﴾ اتصالها بالفعل أولى، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من القتال، فيتأكد معنى النكرة المدلول عليها بكلمة ﴿إن﴾ وذلك لأن كونهما طائفتين مؤمنتين يقتضي أن لا يقع القتال منهما، فإن قيل فلم لم يقل : يا أيها الذين آمنوا إن فاسق جاءكم، أو إن أحد من الفساق جاءكم، ليكون الابتداء بما يمنعهم من الإصغاء إلى كلامه، وهو كونه فاسقاً ؟ نقول المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الإنسان فاسقاً، أو يزداد بسببه فسقه، فالمجيء به سبب الفسق فقدمه.
وأما الاقتتال فلا يقع سبباً للإيمان أو الزيادة، فقال :﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ﴾ أي سواء كان فاسقاً أو لا أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقاً به، ولو قال : وإن أحد من الفساق جاءكم، كان لا يتناول إلا مشهور الفسق قبل المجيء إذا جاءهم بالنبأ.
المسألة الخامسة :
قال تعالى :﴿اقتتلوا﴾ ولم يقل : يقتتلوا، لأن صيغة الاستقبال تنبىء عن الدوام والاستمرار، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبىء عن ذلك، يقال فلان يتهجد ويصوم.
المسألة السادسة :