الخامس - روى البخاري عن عبد الله بن الزبير أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر : أمّر القعقاع بن مَعْبَد، وقال عمر : أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي ! فقال عمر : ما أردت خلافك ! فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما. فنزل في ذلك :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ حتى انقضت الآية.
وفي رواية : فأنزل الله في ذلك :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُم ﴾ الآية.
قال ابن الزبير : فما كان عمر يُسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه. وقد انفرد بهاتين الرايتين البخاري دون ومسلم.
قال الحافظ ابن حجر : وقد استشكل ذلك ! قال ابن عطية : الصحيح أن سبب نزول هذه الآية كلام جفاة الأعراب.
قال ابن حجر : قلت : لا يعارض ذلك هذا الحديث، فإن الذي يتعلق بقصة الشيخين في تخالفهما في التأمير هو أول السورة :﴿ لَا تُقَدِّمُوا ﴾ ولكن لما اتصل بها قوله :﴿ لَا تَرْفَعُواْ ﴾ تمسك عمر منها بخفض صوته. وجفاة الأعراب الذين نزلت فيهم هم من بني تميم، والذين يختص بهم، وقوله :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ ﴾ انتهى.
وتقدم لنا مراراً الجواب عن أمثاله، بأن قولهم : نزلت الآية في كذا، قد يكون المراد به الاستشهاد على أن مثله مما تتناوله الآية، لا أنه سبب لنزولها.
قال الإمام ابن تيمية : قولهم نزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب. كما تقول : عنى بهذه الآية كذا. انتهى.


الصفحة التالية
Icon