وفيه وجهان أحدهما : أنه استدلال بدلائل الأنفس، لأنا ذكرنا مراراً أن الدلائل آفاقية ونفسية كما قال تعالى :﴿سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الآفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ﴾ [ فصلت : ٥٣ ] ولما قرن الله تعالى دلائل الآفاق عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال :﴿والأرض مددناها﴾ [ الحجر : ١٩ ] وفي غير ذلك ذكر الدليل النفسي، وعلى هذا فيه لطائف لفظية ومعنوية.
أما اللفظية فهي أنه تعالى في الدلائل الآفاقية عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال :﴿والأرض مددناها﴾ وقال :﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا﴾ [ ق : ٩ ] ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الاستفهام والفاء بعدها إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس، وهذا من جنس، فلم يجعل هذا تبعاً لذلك، ومثل هذا مراعى في أواخر ياس، حيث قال تعالى :﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه﴾ [ ياس : ٧٧ ] ثم لم يعطف الدليل الآفاقي ههنا ؟ نقول، والله أعلم ههنا وجد منهم الاستبعاد بقول ﴿ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ [ ق : ٣ ] فاستدل بالأكبر وهو خلق السموات، ثم نزل كأنه قال لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز ذلك، وفي سورة ياس لم يذكر استبعادهم فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى.